
تواجه آلاف الملاك في النمسا احتمال إعادة مبالغ كبيرة من زيادات الإيجار التي فرضوها على مدى العقود الماضية، بعد قرارات صادرة عن المحكمة العليا (OGH) تعتبر بعض بنود التكييف المالي في عقود الإيجار غير قانونية. وإذا تم تأكيد هذه الأحكام، فقد يضطر الملاك إلى إعادة الزيادات التي حصلوا عليها خلال الثلاثين عامًا الأخيرة، وهو سيناريو تصفه الأوساط العقارية بـ “الكارثة الكبرى”.
وجاءت الأحكام الصادرة نتيجة دعاوى جماعية قادتها غرفة العمال، حيث أبطلت المحكمة عددًا من البنود التعاقدية، من بينها شروط لم تحدد بوضوح أن الإيجار لا يمكن زيادته خلال أول شهرين من العقد. كما تم الطعن في بعض الصيغ التي لم توضح بدقة كيف ترتبط زيادات الإيجار بمؤشر أسعار المستهلك.
المعضلة الكبرى التي تواجه قطاع العقارات هي أن قرارات محكمة العدل الأوروبية (EuGH) تنص على أن مثل هذه البنود غير قابلة للتعديل أو التصحيح، بل تصبح باطلة تمامًا. وهذا يعني أن المستأجرين قد يكون لهم الحق في استرداد ما دفعوه زيادة، إما لفترة الثلاث سنوات الأخيرة أو حتى الثلاثين عامًا الماضية، تبعًا لفترة التقادم التي سيتم الاعتداد بها في الأحكام القضائية المقبلة. حتى الآن، لم تصدر المحكمة العليا أي قرار نهائي بشأن مطالبات الاسترداد، لكن القطاع العقاري يضغط بشدة من أجل تدخل تشريعي يوضح أن مثل هذه المطالبات غير ممكنة.
في سياق المفاوضات الائتلافية الأخيرة، كان هناك اتفاق مبدئي على صفقة متبادلة: يحصل الحزب الاشتراكي الديمقراطي (SPÖ) على تجميد أسعار الإيجارات، بينما تضمن الأحزاب المحافظة (ÖVP) والليبرالية (Neos) تمرير تشريع يحمي الملاك من المطالبات باسترداد الأموال، مع تقليص فترة التقادم إلى خمس سنوات كحد أقصى. وقد تم بالفعل تمرير قرار تجميد الإيجارات، لكن التدخل القانوني المقابل لم يتحقق بعد.
هناك تفسيران لتأخير القرار. الأول هو أن تجميد الإيجارات كان بحاجة إلى إقراره قبل نهاية مارس بسبب المهل الزمنية القانونية، بينما يحتاج التشريع المتعلق ببنود التكييف المالي إلى مزيد من الدراسة. والثاني أن الحزب الاشتراكي الديمقراطي، قبل الانتخابات البلدية في فيينا، لا يريد اتخاذ قرار يمنع المستأجرين من المطالبة باسترداد أموالهم، مما قد يضعه في موقف غير شعبي.

لكن على المدى الطويل، قد تجد الحكومة المحلية في فيينا نفسها مضطرة لدعم مثل هذا التدخل القانوني، نظرًا لأن المدينة تعد واحدة من أكبر الملاك العقاريين في النمسا، وقد يكون من الصعب عليها تحمل تعويضات ضخمة في ظل أوضاعها المالية المتوترة. حتى الآن، لم تقدم حكومة المدينة تقديرات دقيقة لعدد العقود المتأثرة بهذه المشكلة.
من ناحية أخرى، اقترح خبراء القانون المدني، ستيفان بيرنر (من جامعة الاقتصاد في فيينا) وهيلموت أوفنر (من جامعة فيينا)، حلاً قانونيًا يمكن للحكومة استخدامه، وهو ما استندت إليه أيضًا وثائق التفاوض الائتلافي للحزب المحافظ. وبحسب بيرنر، فإن تعديلًا قانونيًا بسيطًا يمكن أن يحل المشكلة بشكل واضح، كما حدث في قضايا مماثلة في الماضي. ورغم أن التعديل سيمثل تدخلًا في حقوق المستأجرين، إلا أنه يمكن تبريره نظرًا للآثار الهائلة التي قد تترتب على تطبيق قرارات المحكمة العليا بأثر رجعي.
لكن غرفة العمال تعارض بشدة أي تعديل قانوني بأثر رجعي، إذ ترى أن الزيادات المتسارعة في الإيجارات بسبب التضخم تجعل من غير العادل حرمان المستأجرين من استرداد أموالهم. كما أن تقليص فترة التقادم إلى خمس سنوات قد يخلق تباينًا قانونيًا، إذ إن عقود الإيجار المحددة المدة تخضع حاليًا لفترة تقادم تصل إلى عشر سنوات.
في ظل هذا التوتر، لا يزال الحل النهائي لهذه الأزمة غير واضح، وسط ضغوط من القطاع العقاري لتجنب “كارثة مالية” محتملة، في مقابل مطالب المستأجرين بالحصول على تعويضاتهم، بينما تجد الحكومة نفسها أمام معضلة سياسية معقدة.
النمسا بالعربي.